فصل: مطلب: في طبقات أهل العلم:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أبجد العلوم (نسخة منقحة)



.مطلب: في تعيين العلم:

الذي هو: فرض عين على كل مكلف أعني: الذي يتضمنه قوله صلى الله عليه وسلم: «طلب العلم: فريضة على كل مسلم».
اعلم: أن للعلماء اختلافا عظيما في تعيين ذلك العلم وهو أكثر من عشرين قولا وحاصله: أن كل فريق نزل الوجوب على العلم الذي هو بصدده.
قال المفسرون والمحدثون: هو علم الكتاب والسنة إذ بهما يتوصل إلى سائر العلوم وهو الحق الذي لا محيد عنه ولا مصير إلا إليه وعليه جمهور المحققين من السلف والخلف بلا خلاف بينهم.
وقال الفقهاء: هو العلم بالحلال والحرام ويسمى: بعلم الفقه وهذا يندرج في الأول- كما هو الظاهر-.
وقال المتكلمون: هو العلم الذي يدرك به التوحيد الذي هو أساس الشريعة ويسمى: بعلم الكلام وهذا أيضا داخل في الأول لأن مسائل التوحيد مبينة فيهما بيانا شافيا وليس وراء بيان الله ورسوله بيان.
وأما الكلام الذي اختص به المتكلمون وخلطوا فيه المنطق والفلسفة فليس هو من هذا الباب.
وقال الصوفية: هو علم القلب ومعرفة الخواطر لأن النية التي هي شرط الأعمال لا تصح إلا بها وهذا شعبة من شعب السنة المطهرة فإن العلم بها عالم به على الوجه الأتم الأكمل.
وقال أهل الحق: هو علم المكاشفة ولا وجه للتخصيص به ولم يدل عليه نص ولا برهان.
وقيل: إنه العلم الذي يشتمل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس» الحديث لأنه الفرض على عامة المسلمين وهو اختيار الشيخ: أبي طالب أكملي.
وزاد عليه بعضهم: أن وجوب المباني الخمسة إنما هو بقدر الحاجة مثلا: من بلغ ضحوة النهار يجب عليه أن يعرف الله- سبحانه وتعالى- بصفاته استدلالا وأن يتكلم كلمتي الشهادة مع فهم معناهما وإن عاش إلى وقت الظهر يجب عليه أن يتكلم أحكام الطهارة والصلاة وإن عاش إلى رمضان يجب أن يتكلم أحكام الصوم وإن ملك مالا يجب أن يتعلم كيفية الزكاة وإن حصل له استطاعة الحج يجب أن يتعلم أحكام الحج ومناسكه.
هذه هي المذاهب المشهورة في هذا الباب والأول: أولاها فإن هذه كلها تدخل فيه ولا تخرج عنه حتى يحتاج إليه.
وزاد في كشاف اصطلاحات الفنون: قال بعضهم: هو علم العبد بحاله ومقامه من الله- تعالى-.
وقيل: بل هو العلم بالإخلاص وآفات النفوس.
وقيل: بل هو علم الباطن.
وقال المتصوفة: هو علم التصوف. وقيل: هو العلم بما اشتمل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس» الحديث وتقدم.
والذي ينبغي أن يقطع ما هو مراد به: هو علم بما كلف الله- تعالى- به عباده من: الأحكام الاعتقادية والعملية كذا في الإحياء للغزالي وأطال في بيان ذلك.
وقال في السراجية: طلب العلم فريضة بقدر ما يحتاج إليه لأمر لا بد منه من: أحكام الوضوء والصلاة وسائر الشرائع ولأمور معاشه وما وراء ذلك ليس بفرض فإن تعلمها فهو الأفضل وإن تركها فلا إثم عليه. انتهى.
وهذا بيان علم فرض العين وأما فرض الكفاية: فقد ذكر في منتخب الإحياء: أن علم الطب في تصحيح الأبدان من فروض الكفاية لكن في السراجية: يستحب أن يتعلم الرجل من الطب قدر ما يمتنع به عما يضر بدنه وكذا من فروض الكفاية: علم الحساب في الوصايا والمواريث وكذا الفلاحة والحياكة والحجامة والسياسة أما التعمق في الطب فليس بواجب وإن كان فيه زيادة قوة على قدر الكفاية.
فهذه العلوم كالفروع فإن الأصل هو: العلم بكتاب الله- تعالى- وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع الأئمة وآثار الصحابة والتعلم بعلم اللغة التي هي: آلة لتحصيل العلم بالشرعيات وكذا العلم بالناسخ والمنسوخ والعام والخاص مما في: علم الفقه وعلم القراءة ومخارج الحروف والعلم بالأخبار وتفاصيلها والآثار وأسامي رجالها ورواتها ومعرفة المسند والمرسل والقوي والضعيف منها كلها: من فروض الكفاية وكذا معرفة الأحكام لقطع الخصومات وسياسة الولاة.
وهذه العلوم إنما تتعلق بالآخرة لأنها سبب استقامة الدنيا وفي استقامتها استقامتها فكان هذا علم الدنيا بواسطة صلاح الدنيا بخلاف علم الأصول: من التوحيد وصفات الباري وهكذا علم الفتوى من فروض الكفاية.
أما العلم بالعبادات والطاعات ومعرفة الحلال والحرام فإن أصل فوق العلم بالغرامات والحدود والحيل وأما علم المعاملة: فهو على المؤمن المتقي كالزهد والتقوى والرضاء والشكر والخوف والمنة لله- تعالى- في جميع أحواله والإحسان وحسن الظن وحسن الخلق والإخلاص فهذه علوم نافعة أيضا.
وأما علم المكاشفة: فلا يحصل بالتعليم والتعلم وإنما يحصل بالمجاهدة التي جعلها الله- تعالى- مقدمة للهداية قال الله تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}.
وأما علم الكلام: فالسلف لم يشتغلوا به حتى إن من اشتغل به نسب إلى: البدعة والاشتغال بما لا يعنيه.
هذا كله خلاصة ما في التاتارخانية وألحق الغزالي الفقه والفقهاء بعلم الدنيا وعلمائها قال: ولعمري إنه متعلق أيضا بالدين ولكن لا بنفسه بل بواسطة الدنيا فإن الدنيا مزرعة الآخرة ثم سوى بين الفقه والطب إذ الطب أيضا يتعلق بالدنيا وهو صحة الجسد لكن قال: إن الفقه أشرف منه من ثلاثة أوجه ثم ذكرها وأطال في بيان علم المكاشفة وعلم المعاملة ثم ذكر الفلسفة وقال: إنها ليست علما برأسها بل هي أربعة أجزاء: أما الهندسة والحساب: فهما مباحان وأما المنطق والطبيعيات: فبعضها: مخالف للشرع والدين الحق فهو جهل وليس بعلم وبعضها ليس كذلك وأطال الكلام في تفصيله.
وقال في خزانة الرواية في السراجية: تعلم الكلام والمناظرة فيه قدر ما يحتاج إليه: غير منهي قال الشيخ: شهاب الدين السهروردي في أعلام الهدى: إن عدم الاشتغال بعلم الكلام إنما هو في زمان قرب العهد بالرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين كانوا مستغنين عن ذلك بسبب بركة صحبة النبي صلى الله عليه وسلم ونزول الوحي وقلة الوقائع والفتن بين المسلمين وصرح به السيد الشريف والعلامة التفتازاني وغيرهما من المحققين المشهورين بالعدالة: أن الاشتغال بالكلام في زماننا من فرائض الكفاية وقال التفتازاني: إنما المنع لقاصر النظر والمتعصب في الدين. انتهى.
وهذا ذكر العلوم المحمودة وأما العلم المباح: فمنه: العلم بالأشعار التي لا سخف فيها وتواريخ الأخبار وما يجري مجراها وأما المذمومة: ففي التاتارخانية: وأما علم السحر والنيرنجات والطلسمات وعلم النجوم ونحوها فهي: علوم غير محمودة وأما علم الفلسفة والهندسة: فبعيد عن علم الآخرة استخرج ذلك الذين استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة.
وفي فتح المبين شرح الأربعين للحليمي وغيره: صرحوا بجواز تعلم الفلسفة وفروعها من: الإلهي والطبيعي والرياضي ليرد على أهلها ويدفع شرهم عن الشريعة فيكون من باب إعداد العدة.
وفي السراجية: تعلم النجوم قدر ما تعرف به مواقيت الصلاة والقبلة لا بأس به وفي التتارخانية: وما سواه حرام.
وفي الخلاصة والزيادة: حرام.
وفي المدارك في تفسير قوله تعالى: {فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم} قالوا: علم النجوم كان حقا ثم نسخ الاشتغال بمعرفته. انتهى.
وفي البيضاوي: أي: فرأى مواقعها واتصالاتها أو في علمها أو في كتابها ولا منع منه. انتهى.
وفي التفسير الكبير في هذا المقام: إن قيل النظر في علم النجوم غير جائز فكيف أقدم عليه إبراهيم- عليه السلام-؟ قلنا: لا نسلم أن النظر في علم النجوم والاستدلال بمعانيها: حرام وذلك لأن من اعتقد أن الله- تعالى- خص كل واحد من هذه الكواكب بقوة وخاصية لأجلها يظهر منه أثر مخصوص فهذا العلم على هذا الوجه: ليس بباطل. انتهى.
فعلم من هذا: أن حرمة تعلم علم النجوم مختلف فيها.
وأما أخبار المنجمين: فقد ذكر في المدارك في تفسير: {إن الله عنده علم الساعة} الآية وأما المنجم الذي يخبر بوقت الغيث أو الموت فإنه يقول بالقياس والنظر في الطالع وما يدرك بالدليل لا يكون غيبا على أنه مجرد الظن والظن غير العلم.
وفي الكشف: مقالات المنجمة على طريقتين: من الناس من يكذبهم واستدل عليه بقوله تعالى: {وما كان الله ليطلعكم على الغيب} وبقوله- عليه الصلاة والسلام-: «من أتى كاهنا أو عريفا فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد».
ومنهم: من قال بالتفصيل فإن المنجم لا يخلو من أن يقول: إن هذه الكواكب مخلوقات أو غير مخلوقات الثاني: كفر صريح وأما الأول: فإما أن يقول: إنها فاعلات مختارات بنفسها فذلك أيضا: كفر صريح وإن قال: إنها مخلوقات مسخرات أدلة على بعض الأشياء ولها أثر بخلق الله تعالى فيها: كالنور والنار ونحوهما وأنهم استخرجوا ذلك بالحساب فذلك لا يكون غيبا لأن الغيب ما لا يدل عليه بالحساب وأما الآية والحديث: فهما محمولان على علم الغيب وهذا ليس بغيب.
وأما المنطق: فقد ذكر ابن حجر المكي في شرح الأربعين للنووي: أن من آلات العلم الشرعي من: فقه وحديث وتفسير: المنطق الذي بأيدي الناس اليوم فإنه علم مفيد لا محذور فيه بوجه إنما المحذور فيما كان يخلط به شيء من الفلسفيات المنابذة للشرائع ولأنه كالعلوم العربية في أنه: من مواد أصول الفقه ولأن الحكم الشرعي لا بد من تصوره والتصديق بأحواله إثباتا ونفيا والمنطق: هو المرصد لبيان أحكام التصور والتصديق فوجب كونه علما شرعيا إذ هو ما صدر عن الشرع أو توقف عليه العلم الصادر عن الشرع توقف وجود: كعلم الكلام أو توقف كمال: كعلم العربية والمنطق.
ولذا قال الغزالي: لا ثقة بفقه من لا يتمنطق أي: من لا قواعد المنطق مركوزة بالطبع فيه كالمجتهدين في العصر الأول أو بالتعلم.
وممن أثنى على المنطق: الفخر الرازي والآمدي وابن الحاجب وشراح كتابه وغيرهم من الأئمة والقول بتحريمه: محمول على ما كان مخلوطا بالفلسفة. انتهى. كلام كشاف اصطلاحات الفنون مع تصرف فيه ببعض الزيادة وسيأتي حكم علم المنطق وما هو الحق فيه تحت علم الميزان من باب الميم في القسم الثاني من هذا الكتاب.
وكذا حكم علم الكلام: ذكرته في كتابي قصد السبيل إلى ذم الكلام والتأويل.
وللسيد الإمام المجتهد: محمد بن إبراهيم الوزير اليماني- رحمه الله- كتب ورسائل مستقلة في هذا الباب منها: كتابه المسمى: بالروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم فإن شئت الزيادة فعليك بها.
وأما ما ذكره صاحب كشاف الاصطلاحات في هذا المقام من حكم العلوم- كما تقدم آنفا- فما هو إلا أقوال أهل العلم المحضة وآراؤهم الساذجة التي لا إثارة عليها من علم وهذه الحكايات والمقالات مثلها كثير الوجود في كتب الفقهاء ولكن من لا يتبع إلا ما قرره الدليل لا يقبل ذلك أبد الآبدين ولا يتوجه إلى تلك الأقوال الخالية عن الاستناد إلى الكتاب العزيز والسنة المطهرة التي لا علم غيرهما أو ما كان له دخل في فهمهما وكان كالآلات لهما.
وقد ذكرنا في هذا الكتاب تحت بعض العلوم حكمه فارجع إليه يتضح لك ما هو الحق في المسألة وليس هذا الكتاب مما ينبغي فيه ذكر المسائل والأدلة عليها على وجه التفصيل فإنه مدونة في دواوين الإسلام وكتب الأئمة وقد قضوا منها الوطر وميزوا فيها الحق عن الباطل والخطأ من الصواب.
انظر مؤلفات شيخ الإسلام: ابن تيمية الحراني وتلميذه: الإمام الرباني الحافظ: ابن القيم كإغاثة اللهفان عن مكائد الشيطان وغيره ومؤلفات السيد: ابن الوزير والعلامة: محمد بن إسماعيل الأمير اليماني وتصانيف قاضي القضاة المجتهد المطلق: محمد بن علي الشوكاني وأمثال هؤلاء واعتن بها اعتناء لا يفتر طبعك منها واشدد يديك عليها شدا بالغا مبلغ النهاية تفز بسعادة الدارين وخيري الكونين- إن شاء الله تعالى-.
وسيتضح عليك عند مطالعتها: أن أي علم أحق بالتحصيل والاكتساب وأشدها دخلا في الإنقاذ من المهلكات في الدنيا والآخرة وإن لم ينصرك الدهر على الاطلاع عليها فاجهد في تحصيل مختصرات هؤلاء البررة الخيرة كأدب الطلب والقول المفيد وإرشاد النقاد ونحوها فإن قصرت يدك عن هذه أيضا فارجع إلى الملخصات التي لخصناها من مؤلفات تلك العصابة الكرام وألفناها في تدوين هذا المرام وقد طبع أكثرها في هذه الأيام وانتشرت في الآفاق من العرب والعجم فإنها تشتمل على فوائد نفيسة وحقائق صحيحة وعوائد نافعة ومقاصد صالحة وحقوق ثابتة بالكتاب والسنة وهي تكفي المقلد وتغني المجتهد وتشفي العليل وتروي الغليل وتسلي الفؤاد وتوصل المريد إلى المراد.
ويالله العجب من قوم بسطوا القول في بيان علوم الفرض والكفاية والمحمودة منها والمذمومة وجاؤوا في تبيينها بزبالة أفكارهم ونخالة أذهانهم من غير حجة نيرة وصعدوا في تعيينها تارة إلى السماء ونزلوا أخرى إلى الأرض ولم يرفعوا رؤوسهم إلى ما جاء عن سيد العلماء وسند الفضلاء- صلى الله عليه وآله وسلم- في ذلك ولم يمعنوا أنظارهم فيه وهو: قوله صلى الله عليه وسلم: «العلم ثلاثة: آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة وما كان سوى ذلك فهو فضل». رواه أبو داود وابن ماجة عن عبد الله بن عمرو بن العاص- رضي الله عنه- واللام: في قوله صلى الله عليه وسلم العلم قيل: للعهد أي: علم الدين وقيل: للاستغراق كما في قوله- تعالى-: {الحمد لله} وهو الراجح.
والمراد بالآية: الكتاب العزيز وبالسنة: علم الحديث الشريف وبالفريضة: علم الميراث وهو: جزء من علم الكتاب والسنة وما سوى هذين الأصلين: فضل أي: زائد لا ضرورة فيه كائنا ما كان ولا سيما العلوم التي جاءت من كفرة اليونان وليست مبنية على أساس شرعي ولا على عرفان بل حدثت هي في الإسلام بعد انقراض القرون الثلاثة المشهود لها بالخير فإنها ليس فيها من الخير شيء بل كلها كما قيل: علم لا ينفع وجهل لا يضر.
ومن تمسك: بأذيال الكتاب الإلهي والحديث النبوي فقد استغنى عن جميع العلوم والفنون وكل الصيد في جوف الفرا ومن لم يستغن بما جاء عن الله- تعالى- ورسوله ولم يره كافيا وافيا لأمور الدنيا والآخرة فلا أغناه الله ولا حياه.
والمعرض عن هذين العلمين الكريمين والأصلين الشريفين الجامعين للعلوم النافعة في المعاش والمعاد إلى الخوض في الفنون الأجنبية والاشتغال بها ليلا ونهارا والاستغراق فيها بأوقاته كلها: ليس أهلا للتخاطب ولا محلا للالتفات ولا موفقا للخير ولا موقعا للنجاة.
وفي حديث معاوية- رضي الله عنه- قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الأغلوطات. رواه أبو داود.
وهذه الفنون غالبها من هذا القبيل ونهى أيضا عن النظر في الكتب السماوية المنزلة على الأنبياء- عليهم السلام- من قبله فكيف بالنظر في هذه الجهالات والخرافات التي سموها: علوما وفنونا وجعلوها من مواسم الفضيلة وربطوا بها كمال الشخص وحصروه في اكتسابها الذي لا ينبغي التعبير عنه إلا بإضاعة الأوقات وإهلاك النفس الناطقة بإلقائها في الموبقات- أعاذنا الله وإخواننا المسلمين المتبعين عما يكره ولا يرضاه وصاننا وإياهم عما يضر في دين الإله إنه قريب مجيب وبالله التوفيق وهو المستعان-.

.مطلب: في طبقات أهل العلم:

من كتاب أدب الطلب لشيخنا وبركتنا الإمام المجتهد الرباني: محمد بن علي الشوكاني قاضي قضاة القطر اليماني- رحمه الله- قال- رضي الله عنه-:
أول: ما على طالب العلم: أن يحسن نيته ويصلح طويته ويتصور أن هذا العمل الذي قصد له والأمر الذي أراده هو الشريعة التي شرعها الله- سبحانه- لعباده وبعث بها رسله وأنزل بها كتبه ويجرد نفسه عن أن يشوب ذلك بمقصد من مقاصد الدنيا أو يخلطه بما يكدره من الإرادات التي ليست منه هذا على. فرض أن مجرد تشريك العلم مع غيره له حكم هذه المحسوسات وهيهات ذاك فإن من أراد أن يجمع في طلبه بين قصد الدنيا والآخرة فقد أراد الشطط وغلط أقبح الغلط فإن طلب العلم من أشرف أنواع العبادة وأجلها وأعلاها وقد قال- تعالى-: {واعبدوا الله مخلصين له الدين}.
وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى».
ومن أهم ما يجب على طالب العلم تصوره عند الشروع بل في كل وقت أن يقرر عند نفسه أن هذا العمل هو تحصيل العلم بما شرعه الله لعباده والمعرفة لما تعبدهم به في محكم كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.
وإن هذا المطلب: هو سبب تحصيله وذلك سبب الظفر بما عند الله من خير ومثل هذا لا مدخل فيه لعصبية ولا مجال عنده لحمية بل هو شيء تعبدهم الله به ليس لواحد أن يدعي أنه غير متعبد به فضلا أن يرتقي إلى درجة تكليف عباد الله بما يصدر عنه من الرأي فإن هذا أمر لم يكن إلا لله- سبحانه- لا لغيره كائنا من كان ولا ينافي هذا وقوع الخلاف بين أئمة الأصول في إثبات اجتهاد الأنبياء ونفيه فإن الخلاف لفظي عند من أنصف وحقق.
وأهم ما يحصل لك: أن تكون منصفا غير متعصب في شيء من هذه الشريعة فلا تمحق بركتها بالتعصب لعالم من علماء الإسلام بأن تجعل رأيه واجتهاده حجة عليك وعلى سائر العباد فإنه وإن فضلك بنوع من العلم وفاق عليك بمدرك من الفهم فهو لم يخرج بذلك عن كونه محكوما عليه متعبدا بما أنت متعبد به بل الواجب عليك أن تعترف له بالسبق وعلو الدرجة اللائقة به في العلم معتقدا أن ذلك هو الذي لا يجب عليه غيره ولا يلزمه سواه وليس لك أن تعتقد أن صوابه صواب لك أو خطأه خطأ عليك بل عليك بالاجتهاد والجد حتى تبلغ إلى ما بلغ إليه من أخذ الأحكام الشرعية من ذلك المعدن الذي لا معدن سواه والموطن الذي هو أول الفكر وآخر العمل فإذا وطنت نفسك على الإنصاف وعدم التعصب لمذهب من المذاهب ولا لعالم من العلماء فقد فزت بأعظم فوائد العلم وربحت بأنفس فرائده.
ومن عرف الفنون وأهلها معرفة صحيحة لم يبق عنده شك أن اشتغال أهل الحديث بفنهم لا يساويه اشتغال سائر أهل الفنون بفنونهم ولا يقاربه بل لا يعد بالنسبة إليه كثير شيء وإن إنصاف الرجل لا يتم حتى يأخذ كل فن عن أهله كائنا ما كان وأما إذا أخذ العلم من غير أهله ورجح ما يجده من الكلام لأهل العلم في فنون ليسوا من أهلها وأعرض عن كلام أهلها فإنه يخبط ويخلط ويأتي من الأقوال والترجيحات بما هو في أبعد درجات الإتقان وهو حقيق بذلك.
وفي علماء المذاهب الأربعة: من هو أوسع علما وأعلى قدرا من إمامه الذي ينتمي إليه ويقف عند رأيه ويقتدي بما قاله في عبادته ومعاملته وفي فتاواه وقضائه ويسري ذلك إلى مصنفاته فيرجح فيها ما يرجحه إمامه وإن كان دليله ضعيفا أو موضوعا أو لا دليل بيده أصلا بل مجرد محض الرأي ويدفع من الأدلة المخالفة له ما هو أوضح من شمس النهار تارة: بالتأويل المتعسف وحينا: بالزور الملفف وبالجملة فما صنع هذا لنفسه بذلك التصنيف إلا ما هو خزي له في الدنيا والآخرة ووبال عليه في الآجلة والعاجلة.
الثاني: أن للطلبة: ثلاث طبقات.
الأولى: من يقصد البلوغ إلى مرتبة في الطلب لعلم الشرع ومقدماته وترتفع همته فيكون عند تحصيلها إماما مرجوعا إليه مستفادا منه مأخوذا بقوله مدرسا مفتيا مصنفا قاضيا.
والثانية: من تقصر همته عن هذه الغاية فتكون غاية مقصده ومعظم مطلبه ونهاية رغبته أن يعرف ما طلبه منه الشارع من أحكام التكليف والوضع على وجه يستقل فيه بنفسه ولا يحتاج إلى غيره من دون أن يتصور البلوغ إلى رتبة أهل الطبقة الأولى.
والثالثة: من يكون نهاية مرادهم أمرا دون أهل الطبقة الثانية وهو إصلاح ألسنتهم وتقويم أفهامهم بما يقتدرون به على فهم معاني ما يحتاجون إليه من الشرع وعدم تحريفه وتصحيفه من دون قصد منهم إلى الاستقلال.
وثم طبقة رابعة: يقصدون الوصول إلى علم من العلوم أو علمين أو أكثر لغرض من الأغراض الدينية أو الدنيوية من دون تصور الوصول إلى علم الشرع فكانت الطبقات: أربعا.
وينبغي لمن كان صادق الرغبة قوي الفهم ثاقب النظر عزيز النفس شهم الطبع عالي الهمة سامي الغريزة أن لا يرضى لنفسه بالدون ولا يقنع بما دون الغاية ولا يقعد عن الجد والاجتهاد المبلغين له إلى أعلى ما يراد وأرفع ما يستفاد فإن النفوس الأبية والهمم العلية لا ترضى بدون الغاية في المطالب الدنيوية من: جاه أو مال أو رئاسة أو صناعة أو حرفة.
وإذا كان هذا شأنهم في الأمور الدنيوية التي هي سريعة الزوال قريبة الاضمحلال فكيف لا يكون ذلك من مطالب المتوجهين إلى ما هو أشرف مطلبا وأعلى مكسبا وأرفع مرادا وأجل خطرا وأعظم قدرا وأعود نفعا وأتم فائدة؟ وهي المطالب الدينية مع كون العلم أعلاها وأولاها بكل فضيلة وأجلها وأكلمها في حصول المقصود وهو الخير الأخروي.

.أما الطبقة الأولى:

فينبغي لمن تصور الوصول إليها أن يشرع بعلم النحو مبتدئا بالمختصرات كمنظومة الحريري المسماة: بالملحة وشرحها فإذا فهم ذلك وأتقنه انتقل إلى كافية ابن الحاجب وشروحها ومغني اللبيب وشروحه.
هذا باعتبار الديار اليمنية فإذا كان ناشئا في أرض يشتغلون فيها بغير هذه فعليه بما اشتغل به مشايخ تلك الأرض.
ولا يستغني طالب التبحر عن إتقان ما اشتمل عليه شرح الرضي على الكافية من المباحث اللطيفة والفوائد الشريفة وكذلك ما في المغني من المسائل الغريبة ويكون اشتغاله بسماع الشروح بعد حفظ هذه المختصرات حفظا يمليه عن ظهر قلبه ويبديه من طرف لسانه وأقل الأحوال: أن يحفظ مختصرا منها هو أكثرها مسائل وأنفعها فوائد ولا يفوته النظر في مثل ألفية ابن مالك وشروحها والتسهيل وشروحه والمفصل للزمخشري والكتاب لسيبويه فإنه يجد في هذه الكتب من: لطائف المسائل النحوية ودقائق المباحث العربية ما لم يكن قد وجده في تلك.
وينبغي للطالب أن يطلع على مختصر من مختصرات المنطق ويأخذه عن شيوخه ويفهم معانيه ويكفيه في ذلك مثل: إيساغوجي أو تهذيب السعد وشرح من شروحهما وليس المراد هنا إلا الاستعانة بمعرفة مباحث التصورات والتصديقات إجمالا لئلا يعثر على بحث من مباحث العربية من: نحو أو صرف أبو بيان قد سلك فيه صاحب الكتاب مسلكا على النمط الذي سلكه أهل المنطق فلا يفهمه كما يقع كثيرا في الحدود والرسوم فإن أهل العربية يتكلمون في ذلك بكلام المناطقة.
فإذا كان الطالب عاطلا عن علم المنطق بالمرة لم يفهم تلك المباحث كما ينبغي.
ثم بعد ثبوت الملكة له في النحو وإن لم يكن قد فرغ من سماع ما سميناه يشرع في الاشتغال بكتب علم الصرف ك: الشافية وشروحها والزنجانية ولامية الأفعال ولا يكون عالما بعلم الصرف كما ينبغي إلا أن تكون الشافية وشروحها من محفوظاته لانتشار مسائل فن الصرف وطول ذيل قواعده وتشعب أبوابه ولا يفوته الاشتغال بشرح الرضي على الشافية بعد أن يشتغل بما هو أخصر منه من شروحها كشرح الجاربردي ولطف الله الغياث فإن فيه من الفوائد الصرفية مالا يوجد في غيره.
ثم ينبغي له بعد ثبوت الملكة له نحوا وصرفا وإن لم يكن قد فرغ من سماع كتب الفنين أن يشرع في علم المعاني والبيان فيبتدئ بحفظ مختصر من مختصرات الفن يشتمل على مهمات مسائله ك: التخليص وشرح السعد المختصر وما عليه من الحواشي وشرحه المطول وحواشيه فإنه إذا حفظ هذا المختصر وحقق الشرحين المذكورين وهوامشهما بلغ إلى مكان من الفن مكين فقد أحاطت هذه الجملة بما في مؤلفات المتقدمين من شراح المفتاح ونحوه وإذا ظفر بشيء من مؤلفات: عبد القاهر الجرجاني أو السكاكي في هذا الفن فليمعن النظر فيه فإنه يقف في تلك المؤلفات على فوائد.
وينبغي له حال الاشتغال بهذا الفن أن يشتغل بفنون مختصرة قريبة المأخذ قليلة المباحث كفن الوضع وفن المناظرة ويكفيه في الأول: رسالة الوضع وشرح من شروحها وفي الثاني: آداب البحث العضدية وشرح من شروحها.
ثم ينبغي له أن يكب على مؤلفات اللغة المشتملة على بيان مفرداتها ك: الصحاح والقاموس وشمس العلوم وضياء الحلوم وديوان الأدب ونحو ذلك من المؤلفات المشتملة على بيان اللغة العربية عموما أو خصوصا كالمؤلفات المختصة بغريب القرآن والحديث.
ثم يشتغل بعد هذا بعلم المنطق فيحفظ مختصرا منه ك: التهذيب أو الشمسية ثم يأخذ في سماع شروحهما على أهل الفن فإن العلم بهذا الفن على الوجه الذي ينبغي يستفيد به الطالب مزيد إدراك وكمال استعداد عند ورود الحجج العقلية عليه وأقل الأحوال أن يكون على بصيرة عند وقوفه على المباحث التي يوردها المؤلفون في علوم الاجتهاد من المباحث المنطقية كما يفعله كثير من المؤلفين في: الأصول والبيان والنحو.
ثم يشتغل بفن أصول الفقه بعد أن يحفظ مختصرا من مختصراته المشتملة على مهمات مسائله ك: مختصر المنتهى أو جمع الجوامع أو الغاية ثم يشتغل بسماع شروح هذه المختصرات ك: شرح العضد على المختصر وشرح المحلي على جمع الجوامع وشرح ابن الإمام على الغاية.
وينبغي له أن يطول الباع في هذا الفن ويطلع على مؤلفات أهل المذاهب المختلفة ك: التنقيح والتوضيح والتلويح والمنار وتحرير ابن الهمام وليس في هذه المؤلفات مثل التحرير وشرحه ومن أنفع ما يستعان به على بلوغ درجة التحقيق في هذا الفن: الإكباب على الحواشي التي ألفها المحققون على الشرح العضدي وعلى شرح الجمع.
ثم ينبغي له بعد إتقان فن أصول الفقه وإن لم يكن قد فرغ من سماع مطولاته أن يشتغل بفن الكلام المسمى: بأصول الدين ويأخذ من مؤلفات الأشعرية بنصيب ومن مؤلفات المعتزلة بنصيب ومن مؤلفات الماتريدية بنصيب ومن مؤلفات المتوسطين بين هذه الفرق: كالزيدية بنصيب فإنه إذا فعل هكذا عرف الاعتقادات كما ينبغي وأنصف كل فرقة بالترجيح والترجيح على بصيرة وقابل كل قول بالقبول أو الرد على حقيقة.
وإني أقول بعد هذا: إنه لا ينبغي لعالم أن يدين بغير ما دان به السلف الصالح من الوقوف على ما تقتضيه أدلة الكتاب والسنة وإمرار الصفات كما جاءت ورد علم المشابه إلى الله- سبحانه- وعدم الاعتداد بشيء من تلك القواعد المدونة في هذا العلم المبنية على شفا جرف هار من أدلة العقل التي لا تعقل ولا تثبت إلا بمجرد الدعاوى والافتراء على العقل بما يطابق الهوى ولا سيما إذا كانت مخالفة لأدلة الشرع الثابتة في الكتاب والسنة فإنها حينئذ حديث خرافة ولعبة لاعب.
ثم بعد إحراز هذه العلوم يشتغل بعلم التفسير فيأخذ عن الشيوخ ما يحتاج مثله إلى الأخذ ك: الكشاف ويكب على كتب التفسير على اختلاف أنواعها وتباين مقاديرها ويعتمد في تفسير كلام الله- سبحانه- على ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم عن الصحابة فإنهم أهل اللسان العربي فما وجده من تفاسير رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتب المعتبرة كالأمهات وما يلتحق بها قدمه على غيره وأجمع مؤلف في ذلك الدر المنثور للسيوطي وينبغي له أن يطول الباع في هذا العلم ويطالع مطولات التفسير ك: مفاتيح الغيب للرازي ولا يكتفي على تفسير بعض الآيات مسميا لها بآيات الأحكام كما وقع للموزعي وصاحب الثمرات ويقدم على قراءة التفاسير: الاطلاع على علوم لها مدخل في التلاوة وسائر العلوم المتعلقة بالكتاب العزيز وما أنفع الإتقان للسيوطي في مثل هذه الأمور ثم لا يهمل النظر في كتب القراآت وما يتعلق بها ك: الشاطبية وشروحها والطيبية وشروحها.
وأعظم العلوم فائدة وأكثرها نفعا وأوسعها قدرا وأجلها خطرا: علم السنة المطهرة فإنه الذي تكفل ببيان الكتاب العزيز ثم استقل بما لا ينحصر من الأحكام فيقبل على سماع الكتب ك: جامع الأصول والمشارق وكنز العمال والمنتقى لجد ابن تيمية- رحمه الله- وبلوغ المرام لابن حجر والعمدة ثم يسمع الأمهات الست ومسند أحمد وصحيح ابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود وسنن الدار قطني والبيهقي وما بلغت إليه قدرته ووجد في أهل عصره شيوخه.
ثم يشتغل بشروح هذه المؤلفات فيسمع منها ما تيسر له ويطالع ما تيسر له سماعه ويستكثر من النظر في المؤلفات في علم الجرح والتعديل بل يتوسع في هذا العلم بكل ممكن وأنفع ماينتفع به مثل: النبلاء وتاريخ الإسلام وتذكرة الحفاظ والميزان وهذا بعد أن يشتغل بشيء من علم اصطلاح أهل الحديث كمؤلفات ابن الصلاح والألفية للعراقي وشروحها.
وينبغي أن يشتغل بمطالعة الكتب المصنفة في تاريخ الدول وحوادث العالم في كل سنة كما فعله الطبري في تاريخه وابن الأثير في كامله فإن للاطلاع على ذلك فائدة جليلة.
فإذا أحاط الطالب بما ذكرناه من العلوم فقد صار حينئذ في الطبقة العالية من طبقات المجتهدين وكمل له جميع أنواع علوم الدين وصار قادرا على استخراج الأحكام من الأدلة متى شاء وكيف شاء ولكنه ينبغي له: أن يطلع على علوم أخر ليكمل له ما قد حازه من الشرف ويتم له ما قد ظفر به من بلوغ الغاية فمن ذلك: علم الفقه وأقل الأحوال: أن يعرف مختصرا في فقه كل مذهب من المذاهب المشهورة فإنه قد يحتاج إليها المجتهد لإفادة المتمذهبين السائلين عن مذاهب أئمتهم وقد يحتاج إليها لدفع من يشنع عليه في اجتهاده كما يقع ذلك كثيرا من أهل التعصب والتقصير فإنه إذا قال له: قد قال بهذه المقالة العالم الفلاني أو عمل عليها أهل المذهب الفلاني كان ذلك دافعا لصولته كاسرا لسورته وما أنفع الاطلاع على المؤلفات البسيطة في حكاية مذاهب السلف وأهل المذاهب وحكاية أدلتهم وما دار بين المتناظرين منهم إما تحقيقا أو فرضا كمؤلفات ابن المنذر وابن قدامة وابن حزم وابن تيمية ومن سلك مسالكهم فإن تلك المؤلفات هي مطارح أنظار المحققين ومطامح أفكار المجتهدين.
ومما يزيد من آراء هذه الطبقة العلية علوا ويفيده قوة إدراك وصحة فهم وسيلان ذهن: الاطلاع على أشعار فحول الشعراء ومجيديهم مع ما يحصل له بذلك من الاقتدار على النظم والتصرف في فنونه فإن من كان بهذه المنزلة الرفيعة من العلم إذا كان لا يقتدر على النظم كان ذلك خدشة في وجه محاسنه ونقصا في كماله.
وهكذا الاستكثار من النظر في بلاغات أهل الإنشاء المشهورين بالإجادة والإحسان المتصرفين في رسالاتهم ومكاتباتهم بأفصح لسان وأبين بيان لأنه ينبغي أن يكون كلامه على قدر علمه وهو إذا لم يمارس جيد النظم والنثر كان كلامه ساقطا عن درجة الاعتبار عند أهل البلاغة والعلم شجرة ثمرتها الألفاظ وما أقبح العالم المتبحر في كل فن أن يتلاعب به في النظم والنثر من لا يجاريه في علوم من علومه ويتضاحك منه من له إلمام بمستحسن الكلام ورائق النظام وأنفع ما ينتفع به في ذلك: منظومة الجزار وشرحها والمثل السائر في أدب الكاتب والشاعر لابن الأثير ثم لا بأس على من رسخ قدمه في العلوم الشرعية أن يأخذ بطرف من فنون هي من أعظم ما يصقل الأفكار ويصفي القرائح ويزيد القلب سرورا والنفس انشراحا كالعلم: الرياضي والطبيعي والهندسة والهيئة والطب.
وبالجملة: فالعلم بكل فن خير من الجهل به بكثير ولا سيما من رشح نفسه للطبقة العلية والمنزلة الرفيعة ودع عنك ما تسمعه من التشنيعات فإنها شعبة من التقليد وأنت بعد العلم بأي علم من العلوم حاكم عليه بما لديك من العلم غير محكوم عليك واختر لنفسك ما يحلو وليس يخشى على من قد ثبت قدمه في علم الشرع من شيء وإنما يخشى على من كان غير ثابت القدم في علوم الكتاب والسنة فإنه ربما يتزلزل وتخور قوته.
فإذا قدمت العلم بما قدمنا لك من العلوم الشرعية فاشتغل بما شئت واستكثر من الفنون ما أردت وتبحر في الدقائق ما استطعت وحارب من خالفك وعذلك وشنع عليك بقول القائل:
أتانا أن سهلا ذم جهلا ** علوما ليس يعرفهن سهل

علوما لو دراها ما قلاها ** ولكن الرضا بالجهل سهل

وإني لأعجب من رجل يدعي الإنصاف والمحبة للعلم ويجري على لسانه الطعن في علم من العلوم لا يدري به ولا يعرفه ولا يعرف موضوعه ولا غايته ولا فائدته ولا يتصوره بوجه من الوجوه.
ولقد وجدنا لكثير من العلوم التي ليست من علم الشرع نفعا عظيما وفائدة جليلة في دفع المبطلين والمتعصبين وأهل الرأي البحت ومن لا اشتغال له بالدليل.
وأما الأهلية التي يكون صاحبها محلا لوضع العلم فيه وتعليمه إياه فهي: شرف المحتد وكرم النجار وظهور الحسب أو كون في سلف الطالب من له تعلق: بالعلم والصلاح ومعالم الدين أو بمعالي الأمور ورفيع الرتب فإن هذا أمر يجذب بطبع صاحبه إلى معالي الأمور ويحول بينه وبين الرذائل.
وأما من كان سقط المتاع وسفساف أهل المهن: كأهل الحياكة والعصارة والقصابة ونحو ذلك من المهن الدنية والحرف الوضيعة فإن نفسه لا تفارق الدناءة ولا تجانب السقوط ولا تأبى المهانة فإذا اشتغل مشتغل منهم بطلب العلم ونال منه بعض النيل وقع في أمور منها: العجب والزهو والخيلاء والتطاول على الناس ويعظم به الضرر على أهل العلم فضلا عن غيرهم ممن هو دونهم.
وأما من كان أهلا للعلم وفي مكان من الشرف فإنه يزداد بالعلم شرفا إلى شرفه ويكتسب به من حسن السمت وجميل التواضع ورائق الوقار وبديع الأخلاق ما يزيد علمه علوا وعرفانه تعظيما.
وبين هاتين الطائفتين: طائفة ثالثة ليست من هؤلاء ولا من هؤلاء جعلوا العلم مكسبا من مكاسب الدنيا ومعيشة من معايش أهلها لا غرض لهم فيه إلا إدراك منصب من مناصب أسلافهم ونيل رئاسة من الرئاسات التي كانت لهم كما يشاهد في غالب البيوت المعمورة بالقضاء أو الإفتاء أو الخطابة أو الكتابة أو ما هو شبيه بهذه الأمور فهذا ليس من أهل العلم في ورد ولا صدر ولا ينبغي أن يكون معدودا منهم ولا فائدة في تعليمه راجعة إلى الدين قط.
والذي ينبغي لطالب العلم أن يطلبه كما ينبغي ويتعلمه على الوجه الذي يريده الله منه معتقدا أنه أعلى أمور الدين والدنيا راجيا أن ينفع به عباد الله بعد الوصول إلى الفائدة منه.
هذا ما ينبغي لأهل الطبقة الأولى.